يومية سياسية مستقلة
بيروت / °13

السعودية – إيران: مسار الاتفاق الطويل

Saturday, March 18, 2023 9:12:14 PM

فاجأت الصين الشعبية غير العارفين بمسارات المنطقة السياسية، فابتسم الممسكون بزمام اللعبة الدولية، ومعهم قهقه أرباب السياسات والتوازنات والتفاهمات، التي تأخذ من الجميع، ثم تعطي بمقادير محسوبة، لمن جاء إلى طاولات التفاوض الخلفي، حاملاً ما جمعه من موازين ثقيلة أو خفيفة، فيكون لكل شريك من هؤلاء، "مثقال ذَرَّةٍ" يراه بأُمِّ العين، ويلمسه لمس اليقين.

لبنانيّاً، وحسب السيرة "التعالمية" المحليّة، أقبل جَمْعٌ غفير على نقاش التفاهم الذي رعته الصين، نقاش العارف ببواطن الأمور، وعلَّق على الحصيلة الحوارية جَمْعٌ غفيرٌ آخر، فبارك ونبّه، وبادر تفاؤلاً وتحفَّظ استدراكاً، أمّا الجامع المشتركُ بين الجَمْعَين، فهو الحفاظ على الافتراق بين المواقع السياسية لأبناء النظرات، والشرح المختلف والمخالف، الذي يقتضيه الافتراق السياسي الأصلي. هكذا انكشفت القراءات، كما هي الحال، عن نظرة أحادية قصْدِية لمن قادته "نواياه" السياسية، وهكذا تلمّس المختلفون نقاط استقواء محورية في الداخل، تأتي من جهة المحاور المختلفة في الخارج، والتي قد لا يلائم حساب حقلها، حسابات بيادر أكَلَةِ جبنة الداخل، وأَكَلَةِ أجبان الخارج.

في البدء
تعيين عنوان لبناني لنقاش الاتفاق السعودي – الإيراني، أمر هامّ ليكون أداة قياس لما يُريدهُ اللبنانيون أوَّلاً، ولما يرونه متناسباً وممكن التحقيق مع ما يريدونه، من كل حدَث سياسي، إقليمي أو دولي. في هذا السياق، يتقدم عنوان الاستقرار الداخلي العام على كل ما عداه من العناوين، فالاستقرار المتعدِّد الجوانب والركائز، هو مفتاح البحث في ما يليه من مسائل وطنيّة عامّة. الإلحاح على الاستقرار، وجهه الآخر التسليم بأن الواقع اللبناني يعاني من اهتزاز خطير يبدأ من "فالق" السياسة العامة، ولا ينتهي مع ما توالى حتى الراهن، من هزّات ارتدادية، تنذر بانهيار الأسُس التي كانت متينة، ثم تآكلت صلابتها تحت وطأة ضربات "مطارق" التوليفة السياسية، الحاكمة والمتحكّمة.

انطلاقاً من مسألة الاستقرار السياسي، وتأسيساً عليها، نغلّب وَصْفَ التطور الإقليمي الذي عنوانه اتفاق الجارين الخصمين، بأنه محطّة تهدئة تفتح مساراً متعرِّجاً طويلاً، يشبه مَسَارَ الخصومة السياسية، المتعرِّج الطويل.

في التمييز
لقد وضع توقيع المسؤولين السعوديين والإيرانيين، حدّاً لخلط سياسي أساسه الأخذ بالصراع الدائر بالواسطة، وتداعيات هذا الصراع الذي جعل استخدام جملة "العدو الإيراني" مُسْتَساغةً، وأباح الجمعَ السياسي البائس، بين العربية السعودية والصهيونية العدوانية. من خارج التبسيط العدائي لإيران، وبعيداً من الشعارية العشوائية التي أُلْصِقَتْ بالسعودية، كان استخدام جملة "الخصومة السياسية" هو الأقرب إلى السياسة، وإلى منطوق صراع المصالح، وإلى سياسات توسيع مساحات النفوذ، والتأكيد على ثباتها. في السياق هذا، ينبغي تذكير من نالَ من ذاكرته النسيان، أن ما يجوز في الحالة الإيرانية ساقط من الحسابات في الحالة الإسرائيلية، فإذا كانت إيران خصماً سياسيّاً، فإن إسرائيل كياناً عدوانياً غاصباً، وإذا كانت سياسات حسن الجوار مطروحة على إيران، فإن سياسات حفظ حقوق الشعب الفلسطيني، وسياسات السعي إلى فرض انبثاق وطنه المستقلّ، وسياسات الاعتراف بالشعب الفلسطيني... هي الملقاة في وجه العدوّ الإسرائيلي، الذي لن يتحوّل إلى موجود "طبيعي" في المنطقة، إلاّ إذا ارتضى الشعب الفلسطيني ذلك، أي إذا قبل الفلسطينيون بحَلٍّ مجحِفٍ الآن، وأحالوا إلى السيرورة التاريخية أمر إنصافهم البعيد.

إذن، وعلى وجوه مختلفة، يعيد الاتفاق النقاش إلى بعض من صوابه، وعلى الصواب الإجمالي، تُبنى بعض المقارَبات التي تنتسب إلى عالم هذا الصواب.

مسارات
للاتفاق الموقّع بين الدولتين، العربية والإيرانية، مَسَارٌ محدّدٌ، وهذا ينتمي إلى مساراتٍ متعدّدة، تجتمع في محور واحد اسمه التنافس على النفوذ في المنطقة. تدور المنافسة الأساسية بين قوى إقليمية ثلاث، إيران وتركيا وإسرائيل. مسارح النفوذ معلومة، من اليمن إلى لبنان ففلسطين، وأشكال النفوذ وأساليبه، تحمل سِمات وطابع كل قوّة إقليمية على حدة. تختلف وضعيات الدول فتتراوح بين حالتي الدفاع والهجوم، لكن ما يمكن الانتباه إليه، هو أن "الهجوم" يلازم التدخل العدواني الإسرائيلي في الإقليم، في الوقت الذي يلازم فيه الدفاع والهجوم الحالة التركية.

التدخلان الآنفان تلتصق بهما صفة "الخارجية"، بينما يحمل التدخل الإيراني صفة الهجوم من الداخل، في مواجهة الداخل، متَّخذاً من الجمهور المذهبي "حليفاً" رئيسيّاً، وفق ما تنبئ به الأوضاع في اليمن وفي العراق وفي لبنان، وإلى حدٍّ ما في سوريا. تشذّ الحالة الفلسطينية عن المذهبية الخاصة، بسبب من خصوصية المسألة الفلسطينية، لكنها تلتقي مع العامل الإيراني فوق أرض "الأصولية" العامة.

التنافس الذي يدور في الإقليم، وعلى تخومه، تديره قوى دولية، تتصدّر الموقع الأول بينها الولايات المتحدة الأميركية، ومن خلفها، أو إلى جانبها يحضر الدور الروسي المُصاب حالياً بالخطيئة الأوكرانية، والدور الصيني، راعي الاتفاق الحالي، الذي أسلوبه "الدخول الناعم"، على حاملة الاقتصاد، وعلى قاطرة التزام وتنفيذ المشاريع الحيوية.

التقديم الآنف، ضروري لأنه يساعد على فهم السير في معارج المسارات التي هي في الوقت ذاته مسالك المصالح، المتباعدة والمتقاربة والمتقاطعة، وهو ضروريّ لأنّ سلوكات الأطراف ستكون حاضرة على طول خط رحلة تنفيذ الاتفاق الإقليمي الذي بات سطوراً مقروءة. بناءً على ذلك، ما الذي يمكن قوله استشرافيّاً، في أمر الحالة اللبنانية، وفي أمور سواها من الحالات التي ما زالت تشكّل موضوعاً لإعمال بنود الاتفاق ومقاصده في مجمل أوضاعها؟

نُسُخَاتٌ محْتَمَلَة
لأن الأمر أمر موازين قوى، ولأن كل جغرافيا وطنية لها جغرافيا اجتماعية محدّدة، سيكون الأقرب إلى الواقع القول إنّ المنطقة ستكون في إزاء أكثر من نُسْخَة نفوذ، أو هيمنة، وذلك بالتناغم، أو بالانسجام، مع حقيقة بنيتها الداخلية، ومع حقيقة ما يَعْتَمِلُ ضمن هذه البنية. عليه من الحقيقي الترجيح اختلاف النُسْخَة اليمنية عن شقيقتها العراقية، واختلاف هاتين عن باقي الشقيقات العربيات، السورية واللبنانية والفلسطينية.

إذا جاز الحديث عن الأولويّات، وهو جائز في مقام الاتفاق، سيكون المتوقع المرجّح سعوديّاً وضع نقطة ختام للحالة اليمنية المتفجّرة، وتأمين الهدوء في أرجاء ما بات معروفاً باسم "الحديقة الخلفية" للمملكة العربية السعودية. ما المقرّر في الحالة اليمنيّة؟ ليس سوى التوازن المتجسّد على الأرض، وذات التوازن ينسحب على العراق وسوريا ولبنان، فما هو المقرّر ضمن كلٍّ من هذه التوازنات؟ الجواب الأول تختصره جملة "الوطنية الداخلية"، وهذه عند التدقيق في تاريخها، وفي عناصر تكوينها، يُرجَّح أن يكون العراق وسوريا متقدِّمين على الحالة اللبنانية. قياس ردّ المشتركات إلى تعريفاتها، يقدم دليلاً على دقّة الحكم الصادر بحق "الوطنية" اللبنانية، التي لمّا يتفق أطرافها على تعريف جامع مانع، للأساسيات التي تشكل قاعدة الوطنية الداخلية، وفي سياق عدم الاتفاق "التعريفي"، يحضر الانشقاق "التفسيري" في كل محطّات الخلافات الداخلية. حقبات من عمر الكيان تشهد لثبات الخلافية، ولاهتزاز الوطنيّة الطريّة البنيان.

خلاصة لبنانية
يتحمل المختصمون اللبنانيون مسؤولية مراجعة ما أدلوا به من مطوّلات ظَنّوا بها ديمومة وثباتاً، فأطاحت بها رياح السياسة التي تضرب في الجهات الأربع. المراجعة منطلقها الهدوء وطلب تحقيق الاستقرار السياسي الذي هو الممر صوب كل استقرار. إلى ذلك، لا بديل من أن يرافق المراجعة ابتكار مطالعاتٍ تسووية، تنطلق من محطة انتخاب رئيس جديد للجمهورية، تمهيداً للمرور بكل محطات مصالحة الداخل مع الداخل، ومصالحة "الداخِلّيْن" مع الخارجَيْن الإيراني والسعودي. هذا يتطلب بداهة، الإقرار المسبق بخطأ خطاب النفس الأقصى، وبخطيئة التمسك بأوهام التغلّب، بقوة حسابات الداخل، أو بقوة المراهنات على حسابات الخارج. يقتضي ذلك، مواكبة إعلامية تقصي فطريات التحليل الاستراتيجي والتكتيكي التي استنبتتها ورَعَتْها "خِفّة" الطوائفيات السياسية المتصارعة. هذا دور وسائل الإعلام، المرئية والمسموعة والمكتوبة، أن تكفّ عن الترويج لشخصيات "مُسْبَقة التنميط" فتكرّسها كمرجعيات لمواقف لبنانية عامّة.

الالتفات إلى الداخل، بكل شؤونه وشجونه، هو الأجدى، وهو العمل التحضيري الواجب، لكي لا يكون لبنان "نُسْخَة" نفوذ توزيعية، بسببٍ من قلّة كفاءة بنيه أوّلاً، وبسبب من استمرار تشظّي سياق بناء "وطنيةٍ" يجب أن تكون فوق كلّ خلاف.
لِيَدَعِ اللبنانيون "ما لقيصر الدولي، لقيصر"، وليكُنْ مآلهم مآل الإبن "الذي كان مَيْتاً فعاش، وكان ضَالاًّ فوُجِدَ"... فهل يعيش لبنان؟؟

المصدر :المدن

يلفت موقع "اللبنانية" انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر الّا عن وجهة نظر كاتبه او مصدره.

 

مقالات مشابهة

افرام: أتمنّى أن نتمكن من إطلاق المبادرات المجمّدة لخلق منطقة اقتصاديّة عربيّة متفوقّة

بالتفاصيل: إليكم الطائرات التي نفذت اغتيالات داخل لبنان!(صور)

توقيف فلسطيني أطلق النار على حاجز للجيش

“الحزب” والرئاسة: الخيارات غير مقفلة

الخازن: كفردبيان مفخرة للبنان

مخزومي: لبنان والأمتين العربية والإسلامية تتوسل الخير والأمان والسلام

مبادرة "اعتدالية" رئاسية واعدة تكسر ستاتيكو الجمود

فضل الله: لا كلام مع العدو إلا بالسلاح