يومية سياسية مستقلة
بيروت / °21

المغتربون يثيرون غيظنا!

Thursday, September 22, 2022 9:06:14 PM

هربت ريما عبد الملك ابنة العشر سنوات من "حرب التحرير" العونية، فورثت في فرنسا حقيبة وزارة الثقافة من أسلاف بقامة أندريه مالرو وفريدريك ميتران وجاك لانغ. قبلها، هرب أمين معلوف من الحروب اللبنانية الفلسطينية السورية، فورث مجد الثقافة الفرنسية وأدبها وأكاديميتها.
وقبلهما بأكثر من 150 عاماً، هرب مفكرون وأدباء وموسوعيون ولغويون وشعراء إلى الأميركيتين كما إلى مصر وفرنسا، من البطش والتخلف والفقر والعسف والتعصب والحروب الطائفية في الزمن العثماني، فكان صنيعهم ليس أقل من "عصر النهضة".

فقط بجيل واحد يفصل بين أمين معلوف وريما عبد الملك، هرب أكثر من مليون لبناني إلى كندا وأستراليا والولايات المتحدة وفرنسا وغيرها. ومن الصعب جداً حصر "إنجازات" أولئك المغتربين في بلادهم الجديدة، طالما أننا نطالع باستمرار منذ ثلاثين عاماً ما يدعو إلى الزهو والتقدير (والغيرة أحياناً) بما يحققونه.
منذ القرن التاسع عشر، يبدو لبنان وكأنه ينجز نفسه هناك في الاغتراب، بقدر ما يبدو مستعصياً على التحقق هنا في أرضه. بل أحياناً ونحن نطالع إرث "النهضة" نظن أن لبنان هو أصلاً نتاج مخيلة اغترابية، فكرة شاعرية نبتت من مرارة الحنين وأوهامه.

في النكبة الأخيرة المتناسلة منذ العام 2005 والمستمرة في المستقبل المنظور، هاجر جيلان كاملان إلى القارات الخمس، هم بأغلبيتهم الساحقة أصحاب كفاءات وعلم ومال ومواهب وخبرات. بدا لبنان معهم وكأنه "اختصاصي" بصناعة أفضل القدرات البشرية وطردهم على الفور إلى الخارج.
هذان الجيلان الأخيران، كما سلالة الأجيال السابقة، لم يتخليا عن ذاك التصور القديم لـ"لبنان" الفكرة والخيال. لم يتخليا عن ذاك التوق للوطن الجميل المتوهم، الفردوس الصغير الشبيه بأغنية.

باستمرار، منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى، وبعد إعلان لبنان الكبير، وفي حقبة الاستقلال الأولى، ثم بعد نهاية الحرب عام 1990، كان ثمة "عودة" لمغتربين مصممين على إعادة بناء البلاد. الثروات والكفاءات والثقافات التي يأتون بها، كانت تجدد الحياة عمراناً واقتصاداً واجتماعاً، كما لو أنهم يفرضون على هذه الجغرافيا أن تحيا من جديد وفق تصورهم وأحلامهم.
لقد حدث ذلك مراراً.. وفي كل مرة، كان أهل لبنان يجنحون إلى تدمير كل ما تحقق وانبنى، نكوصاً إلى صفر الخراب.

على هذا المنوال، ومنذ العام 2019، تبرز حركة الجيل الأخير من المغتربين وكأنه هو وحده من يتولى الدفاع لبنان-الفكرة. وحده الذي ما زال "يؤمن"، فيما المقيمون ينظرون إلى أولئك الشبان المتحمسين باستغراب أو غيظ: من أين يأتون بهذه الثقة وهذا التفاؤل وهذا الإيمان والإصرار؟
ما فعله هذا الجيل من المغتربين تحديداً، أثناء انتفاضة تشرين، وبعد تفجير مرفأ بيروت، وفي الانتخابات النيابية، وما بعد استسلام المقيمين، هو على الأرجح الأكثر إسهاماً في التوكيد أن لبنان المشتهى هناك، ما وراء الحدود.. وغير موجود ما بين النهر الكبير شمالاً والناقورة جنوباً. ففي هذه الجغرافيا نرى لبناناً غريباً ويزداد غربة وبعداً واستقلالاً وقطيعة عن لبنان المهاجرين، إلى حد التناقض والتضاد.

ثمة هوة شاسعة وعميقة بين لبنان وزير الثقافة محمد مرتضى (أو أي وزير آخر) ولبنان وزيرة الثقافة ريما عبد الملك. هوة ما عاد ممكناً ردمها. وما يغيظنا حقاً أن مغتربينا سيكررون ما فعله أسلافهم، مجددين الأمل، الذي نراه زائفاً ومؤذياً هذه المرة.
المدن

يلفت موقع "اللبنانية" انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر الّا عن وجهة نظر كاتبه او مصدره.

 

مقالات مشابهة

هكذا علق الخازن على مشهد السيول!

نتائج وتوصيات دراسة تقييم التنمية الاقتصادية في اتحاد بلديات الفيحاء خلال ورشة عمل لبرنامجي UN-HABITAT و UNDP

رئيس بلديّة جونية: ما يحصل على الطرقات أمر طبيعي...

زورقان مُعاديان يخرقان المياه الإقليمية

رئيس بلديّة المطيلب في لقاء مع تلامذة ٥٠ مدرسة فركفونيّة

توقيف شخصين في حي السلم إرتكبا جرائم مختلفة

جعجع: ترك الطرقات أنهاراً تحمل الناس والسيارات يدخل في صلب تصريف الأعمال أم لا؟

غرد النائب زياد الحواط قائلا