يومية سياسية مستقلة
بيروت / °21

استطلاعات الرأي في لبنان ومنتجات سوق العرافة وطقوسها

Thursday, September 22, 2022 9:04:01 PM

بات من المعيب في لبنان تضليل الرأي العام وتلويثه بإستطلاعات رأي مزعومة من بعض من من يدّعون "اختصاصاً مفترضاً" أو "خبرة استراتيجية مصطنعة" أو "ملكة فكرية مجلّة". أستطلاعات رأي لا تنطبق عليها قواعد المهنية العلمية ولا تتصف في الإجمال بالموضوعية العلمية، إذا افترضنا حسن نيّة بعض هؤلاء. أما سوء نيّة بعضهم الآخر فيحيلك إلى تزوير اتجاهات الرأي العام وحرفها عن حقيقتها، يروجون لها لغايات في نفس يعقوب. ولكل يعقوب غايته.

مع الأسف، يتم تشويه الحقائق والوقائع المتصلة بعلم الاستطلاع والاستفتاء في حين أنه من المفترض أن تتصف الاستطلاعات بالمهنية والموضوعية. كل ذلك، إما لعدم اختصاص غالبية المعتدين على هذا العلم، وإما لارتباط بعضهم الآخر بأجهزة تشغلّهم، خارجية وداخلية على السواء، وإما لالتزام بعضهم الآخر بـ"أجندات ايديولوجية" لهذه الجهة أو تلك؛ وأخيراً وليس آخراً لممارسة بعضهم لعبة الابتزاز السياسي والالتزام بإصدار نتائج معلّبة لصالح هذا الحزب أو ذاك أو هذه الشخصية السياسية أو تلك.
لهذه المهنة، كما كل المهن، موجبات أخلاقية تتصل بأصول ممارستها التي ترتب مسؤولية توجيهية للرأي العام، لها محاذيرها ونتائجها على مستوى تحقيق الخير العام الذي من المفترض أن يمثّل القيمة العليا لكل عمل سياسي. ويتجلى يوماً بعد يوم أن سوق انتاج الرأي العام اللبناني ممسوك من منظومة مصالح مالية وسياسية موزّعة على أحزاب وتيارات سياسية وشخصيات ووسائل إعلام وإعلاميين وشركات إحصاء مزعومة وشركات إعلان وتسويق.

هي حالة ليست بجديدة على صناعة الرأي في العالم قاطبة؛ فمثل هذه التحالفات قائمة في الولايات المتحدة الأميركية وبلدان العالم الاول لكنها تحتكم إلى قواعد العلم والاختصاص والمهنية والشفاقية وتخضع لقوانين ناجزة تحاسب على أساسها؛ فيما ترتكز هذه التحالفات في بلدان العالم الثالث، ومنها لبنان، المترهل اجتماعياً وأخلاقياً ودولتياً، والمحكوم بمافيات الفساد ونهب أصول البلاد ومواردها ومقتنيات الناس وأموالهم وآمالهم، تحتكم هذه التحالفات إلى قواعد الفساد والنهب نفسها. فينهب الرأي العام ويحوّل اتجاهاته مادةً لصالح هذه الفئة أو تلك، أو لهذه الشخصية أو تلك. فتحولت غالبية استطلاعات الرأي العام في لبنان إلى منتجات تتماثل مع منتجات سوق العرافة وطقوسها، ولها هي أيضاً منظومة تحالفاتها والمستفيدين منها. فحين يكثر العرّافون في مجتمع معين تكثر الأوهام والآمال المستوهمة ويؤشر ذلك، بشكل خطير، إلى فقدان هذا المجتمع لمقاييس العقلانية والثقة بالمؤسسات الاجتماعية الناظمة لحياته والمنتجة للسياسات الضامنة لمستقبله فيلجأ إلى العراّفين.
وفي لبنان أصبح اللجوء إلى طقوس العرافة تقليداً إعلامياً ينشدّ إليه غالبية من الناس علّهم يجدون في ذلك خشبة خلاص، وإن وهمية، يتمسكون فيها لكي يستطيعوا الاستمرار في بلد لا يستطيعون الهجرة منه، ولا تنتج سلوكيات منظومته الدولاتية وسياسيه رجاءً في تحسن حال أو حل معضلة أو رسم خريطة طريق تعدّ لهم مستقبلاً آمناً.

على الصعيد العلمي والمهني حوّل غالبية منتحلي صفة المستطلعين استفتاءات الرأي إلى علم حساب سياسي، وكأن السياسة علم رقمي مثبت.
في الحقيقة هناك نوعان أقله من استطلاعات الرأي الانتخابي، ولكل منها خصائصه وقواعده ووظيفته:
الأول، استطلاع موجات العمق (Vague de fond) في الرأي السياسي الانتخابي، وليس معتمداً في غالبية الاستطلاعات في لبنان؛
والثاني، استطلاع الموجات السطحية (Vague de surface)، وهي المعتمدة في لبنان. وهذان الاستطلاعان ليسا في أي حال من الاحوال علم حساب سياسي؛ غير أن غالبية المستطلعين في لبنان، والذين لا ينفذون سوى أشكال هجينة للاستطلاعات السطحية فقط، حوّلوا هذه الاخيرة، التي لا تحترم قواعد العلم، إلى علم حساب سياسي موهوم لا يصلح إلاّ لتحقيق مصالح آنية لأحزاب وتيارات وشخصيات.

بعض المقاييس العلمية التي يجب على اللبنانيين التنبّه لها عند قراءة كل استطلاع تتراوح على التحقق من ما يلي: الجهة التي تنظم الاستفتاء، تحديد موضوع الاستفتاء، اختيار تقنية الاستفتاء، نوعية أسئلة الاستفتاء، توصيف عينة الاستفتاء، هوامش الخطأ، آليات التحقق من نتائج الاستفتاء وجودتها العلمية، الاسس التحليلية للنتائج، ومن هي الجهة التي تعرض الاستفتاء. أما الحل البديهي لحل هذه الاشكالية فيقوم على تنظيم الدولة لهذه المهنة بإصدار القوانين الناظمة لها واعتماد معايير علمية واضحة ومحددة
المدن

يلفت موقع "اللبنانية" انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر الّا عن وجهة نظر كاتبه او مصدره.

 

مقالات مشابهة

بعد فرار موقوف.. مستشفى تعنايل: لا علاقة لنا بالحادثة

القعقور تسأل عن خسائر منصة صيرفة

الخازن: مشهد المواطن المحاصر دليل سقوط الدولة

"نرجوا منكم"... شانتال سركيس تُحمّل جميع النواب المسؤولية!

الجميّل بحث مع كاول في التطوّرات

هكذا علق الخازن على مشهد السيول!

نتائج وتوصيات دراسة تقييم التنمية الاقتصادية في اتحاد بلديات الفيحاء خلال ورشة عمل لبرنامجي UN-HABITAT و UNDP

رئيس بلديّة جونية: ما يحصل على الطرقات أمر طبيعي...