يومية سياسية مستقلة
بيروت / °22

المطران بولس عبد الساتر و"لاهوت التحرير".. الكنيسة تثور وتستعيد لبنان الحقيقة!

Thursday, February 13, 2020

بقلم د. زياد الصائغ - النهار

لم تكن عظة مطران أبرشية بيروت للموارنة بولس عبد الساتر في عيد مار مارون استثنائية حصراً، بل هي في عمقها تاريخيّة. تاريخية ليست بمعنى ارتباطها بالمعطى الآني الذي ثار عليه اللبنانيّون حصراً، بل بمعنى أن هذه العِظة أحيت البوصلة الاخلاقيّة الزجريّة للكنيسة في لبنان، بعد أن تبدّى في مرحلةٍ ما تماهٍ غير محمود بين هذه المرجعيّة الضميرية والسُلطة السياسية. التماهي غير المحمود قد تكون حتّمته خيارتٌ ومقاربات، وقائع ومحطّات، لكن وشهادة للحق، استطاعت السُلطة السياسية في لبنان تطويع بعض المواقع الدينيّة لتسويق بعض أجنداتٍ، بان في أفقها بعد الاختبار العميق، انقضاضٌ على الدولة والانسان بما يتنافى والانخراط في الشأن العام للخير العام.
وبقدر استثنائية هذه العِظة وتاريخيتها في إعادة إحياء بوصلة الكنيسة الأخلاقية الزجرية، بالقدر عينه تجلّت فيها المواطنة التزاماً نموذجياً بحقوق اللبنانيّين الأساسيّة في العيش الكريم بعيداً عن ذاك الانسياق الممجوج، والذي درَجنا على الانصات لمضامينه، عنيت الانسياق الممجوج لتمويه مآرب سلطويّة بمُسمّيات استعادة حقوق هذه الطائفة أو تلك.
البوصلة الأخلاقية الزجريّة والمواطنة الحاضنة للتنوّع شكلتا معاً صوتاً نبوياً راعوياً صارخاً في صحراء سُلطة جرداء من شرعية ومشروعية، على أن هذا الصوت النبويّ الراعوي حطّم جدران هيكلية سعت الى اغتيال اصوات اللبنانييّن الأحرار المناضلين بثبات منذ قرابة الأربعة أشهر لتأكيد أحقيّة مطالبهم بالنزاهة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، وهذا لا تؤمّنه سوى حوكمة سليمة يفترِض برجالات دولة متجرّدين ممارستها بقناعة المؤتمنين على ما قيل فيه في الاديان، أنه خَلقٌ وخليقة في كوزموس ايكولوجي، يستأهل صوناً لموارده البشرية والطبيعية، وحُسن إدارةٍ لمقدّراته الماليّة والعيّنيّة.
في كلّ ما سبق، ثمّة ما يستدعي التفكّر بأنه وأننا قد دخلنا مسار ذكرى مئوية لبنان الكبير الاولى، بإشراقاتها واسودادها، بعظمتها وسقطاتها، فإنه من المرجّح بأن "المطران الثائر"، على دقّة هذا التوصيف الذي سبق عظته بمقارباتٍ ومبادرات في الاحتكام للحق ونُصرة المظلوم ونجدة الفقير، من المرجّح أنه اختار توقيتاً بنيويّاً لتصويب مسار الانطلاق نحو مئوية لبنان الكبير الثانية بذهنية رفض تدمير الصيغة والميثاق على أيدي من ادّعوا أو يدّعون حمايتها زوراً، مُستلهماً الانحياز لوجع الناس بدل التأقلم مع ماكياجاتٍ ترقيعيّة ثبُت بالتجربة كم تخفي في دفائنها أضاليل من كَونٍ لا يشبه لبنان الرسالة لا تاريخياً ولا جغرافياً، وحتماً لا دينو-غرافياً.
هذا التوقيت البنيوي بعِظةٍ صارمةٍ نقيّة يعيدنا معاً الى أساسيّات "لاهوت التحرير" التي كانت مثار جدلٍ في خمسينيّات وستينيّات القرن العشرين في أميركا اللاتينيّة كاثوليكياً ثم في السبعينيّات هناك أيضاً انجيليّاً، وفي هذه الأساسيّات خيارٌ تفضيلي لمساندة الفئات الأكثر تهميشاً وفقراً كما التنكُّب للمهمة السامية للدفاع عن كرامة الانسان في وجه كلّ قمعٍ، أو استباحة للمشتركات.
لسنا في هذه العودة الى "لاهوت التحرير" بداعين الى إلباس عِظة "المطران الثائر" ثوباً لاهوتيّاً أدّى ما أدّاه من سجالات عقديّة من ناحية، وصياغاتٍ في تعليم الكنيسة الاجتماعي من ناحيةٍ أخرى، لكننا معنيّون في هذه العودة بالإضاءة على موجباتٍ بناء لاهوتٍ لبناني تحريريّ وتحرُّريّ يلتصق بقضايا الناس ويتبنّاها، ولو قلنا بتنزيه الكنيسة عن تفصيليّات هذه القضايا، من مُنطلق أنها تبقى من اختصاص المجتمع المدني في مؤسساته السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، والدستوريّة، والقانونيّة. وما لاهوت القضايا في هذا السياق سوى تجسيدٍ لانغراس الكنيسة في المحيط الجغرافي، والتاريخي، والسوسيولوجي الذي فيه تعيش وتتفاعل إنما على قاعدة تمثّلها مَهمّة الضمير قولاً وفعلاً، فتتجنّب بالتالي الاقتباس الركيك من جهة، والإسقاط اللامتجانس مع الواقع الذي يحوطها من جهة أخرى.
من هنا يتبدّى جليّاً أن "المطران الثائر" لم يُرِد لا إنشاء زعامة ولا استبدال زعامة، ولا حتى استنفار شعبيةٍ هنا وثمّ، بل هو على ما قد نستنتجه، صمّم على قول الحقيقة دون مواربة أو محاباة أو التفاف. الحقيقة المؤلمة حيث المشترك الإنساني اللبناني في المواطنة ممزّق المعالم، ولا بدّ أن يقرأ فيه المؤمنون وغير المؤمنين، المسيحيّون والمسلمون تحدّياً صارخاً في اعتلان العبد المتألّم "يسوع المسيح"، فينخرطون في المرحلة الأولى التي هي زمن التأمّل الصامت المتعاطف مع الالم، كما لو أنهم أمام حضورٍ سرّي يستدرّ انتباه كلّ المكوّنات المجتمعيّة. ومن ثم تبرز المرحلة الثانية لتقوم على الإقدام العميق نحو عملٍ فعّال محرَّر من كابوس الظلم والقمع والاستتباع التهويليّ أو الترغيبيّ، على أن أساس هذا العمل الفعّال نضالٌ في الحب، ضمن سياقٍ تضامنيّ إنسانيّ يتعالى على التمايُزات، يحترم الاختلافات من حيث هي حقٌ، ويٌصرّ على أن الإنسان، كلّ إنسان، وكلّ الإنسان، مخلوقٌ على صورة الله كمثاله، وله الحق بحياةٍ كريمة عادلة. أوليس العمل على إلغاء الفقر، وتكريس العدالة، والدفاع عن الحريّة، واسترداد الكرامة معركة اللبنانيّين اليوم بامتياز؟
هذه المعركة النبيلة التي يخوضها اللبنانيّون منذ 17 تشرين الأول 2019 قرأها "المطران الثائر" بعلامات الأزمنة مسترجعاً نهجاً نُسكيّاً يتلاقى وما سلكه البابا فرنسيس منذ اعتلائه السُدّة الباباويّة، إذ أراد الاعتلاء مسار خدمةٍ لا هوادة فيها للناس الأكثر فقراً وتهميشاً.
كسر "المطران الثائر" و"البابا التاريخي" تابوهات أرغِمنا على التأقلم معها، ومنها تمتين الجسور مع السُلطة السياسيّة بذرائع الحفاظ على وجودٍ ومكتسبات، لينجلي التمتين وبالاً على الحضور وانكشافاً لامتيازاتٍ زعاماتيّة. هنا بيت قصيد إحياء البوصلة الأخلاقية الزجريّة للكنيسة في محاولة لإستعادة لبنان الحقيقة وعدل ناسه.

 

مقالات مشابهة

زواريب الدواجن... فوضى ومحميّات وغياب عدالة التسعير

جوليا بطرس "الإنسانة قبل كل شيء"

سمّ الحريري وجهنم عون

جردة حساب على عتبة جهنم

لو كنت رئيساً......

فرنسا الدولة في شرك الفساد ؟!

زمنُ المواجهةِ لا زمنُ الاعتذار

حكومة اديب أو حكومة عسكر وقضاة؟