يومية سياسية مستقلة
بيروت / °13

جورج كلاس: النأي بالنفس إعلام التنكُّر و الإنكار

Thursday, February 8, 2024 8:19:46 AM

بقلم وزير الشباب والرياضة جورج كلّاس - النهار

هل النأي عن اتخاذ موقف واضح من قضية مصيرية ، يرقى الى خطيئة الهروب و فنّ الإختباء ، او انه من استراتيجيات التعبير المضمرة ؟
يذخر القاموس السياسي و الإعلامي اللبناني بمصطلحات و تعابير تستخدم بعشوائية و حيل كلامية توظف للإستثمار في حالات الازمات و ازمنة النزاعات ، كمثل مصطلح النأي بالنفس ، لإضفاءِ غشاوات ضبابية مكثفة على واقع الأحوال المعاشة بهدف التبرير و الاختباء وراء شاشات الحدث و عدم إِتخاذ الموقف اللازم من امر حاد ، يستوجب موقفاً صريحا و كلاماً فصلًا تجاه وضع مصيري في دقة زمنية تتصف بالإستثنائية . فهل استخدام مصطلح النأي بالنفس يضعنا أمامَ درس سياسيٍ و تقنيات إعلامية بالمَقْلوب ؟ أم اننا بذلكَ نُدخل مُصْطلحاً جديدا ً، الى إضْمَامَاتِ القاموس ِ اللبناني اليومي ، بكل دلالاته السياسية و المجتمعية و الإعلامية ؟
و الى أي حد يمكن للإعلامي ان يجتهد و يفسر و يحلل و يستولد قاموساً مصطلحياً يعممه في استعمالاته الخبرية و تنظيراته التحليلية ؟

تقولُ قاعدة خلقية شعبية إذا وجدت امك في مشكلة ، عاجِلْ و أُنْصُرْها ، ولا تَسَلْ مَن المَحْقوقِ و لا مَنِ المُحِق و تصرف على ان أُمُّكَ هيَ كُل الحقِّيقة و كُل الحَقّ . يعني ذلك ان على الإعلامي عند مواجهته لأمر وطني دقيق يتطلب موقفا صلبا لا مواربة فيه ، عليه ان يبادر و يتخذ موقفا مما يجري ، حتى ولوْ كان غير واثق من فعالية موقفه . يكفي ان يبادر و يرفع الصوت للحفاظ على دوره و حرية إبداء رأيه في مراكز القرار ، و يحجز لنفسه مكانا منتديات المناقشات و المطارحات و ابداء الرأي و تسجيل المواقف .

في الظروفِ الوطنيِّةِ المَصِيريَّةِ ، من الواجِبِ أنْ نعتبر أَنَّ عملية النأْيَ بالنفس هي نأْيٌ عنِ النـفْسِ . إذاك يسْتقيل الإنسان منْ ذاتِه، أَوْ يخرج من حاضره و ماضيه الى الفراغِ الاكبر ، فيدخل النفق الأعْتَم و الأدمس و الأظلم ، و تضيع الحقيقة حيث لا نور و لا قبس ضَؤ .

فماذا لَوْ تم إستبدال كلمة النأي ، السلبيّة الدلالة ، بعبارةٍ ذات معنى إيجابية ، مثل التصَبُّر و التَبَصُّر ، قبل وجوبية الحَسمِ و إلزاميَّةِ الحَزْم ، فقد يكون هذا المصطلح أكْثَرَ قبولاً و انعمَ وقعاً وأقل حساسية ، و أخف خطرا واكثر إلتزاماً وطنيّاً ،و صراحَةَ إنتماء للماضي و تفاعلاً مع الحاضر و توافقاً مع المستقبل ، و أَبْعَدَ رؤيويّاً مع كل دورات الايام و تبدل الظروف و تقلب الاحوال . هذا التدبير الإحترازي يوفر للإعلامي حرية التمحور مع الواقع و التموضع مع الاحتمالات و ترقب المتغيرات الممكنة الحصول . فضلا عن امكانية التحرر من إرهاصات الوضع الآني الضاغط الذي قد يحيد به عن الموضوعية و جدية التحليل ، و يعزز ظروف اعتماد سلوك التفكير الهادئ الذي هو ميزة أي تحليل مبني على العلمية و الاطلاع و الثقافة البانورامية المستدامة ، اضافة الى الموضوعية الجادة ، التي تتميز بها الحيادية الإيجابية عن مصطلح النأي السلبي بمعناه الابتعادي و الإنكاري .

ان النأيُ عن الوطن ، كلفتُه عالية مهما كانت التبريرات . فكفاناً سلخا لِلَحمِنا الحي ّ ، و كفانا جَرداً لعظامنا الناتئة، و كفانا نَسْلاً لِحلاوةِ الروح.
ان السؤال الأشد إلحاحاً للطرح في زمن الأزمات الداخلية ، كما الحال الوقوفية التي نعيشها و التي كثيرا ما تشيع فيها مواقف النأي بالنفس و الهرب من الهروب و الإختباء من القضايا الساخنة ، تتركز مفاصله حول معرفة الاستراتيجية الواجب ان يعتمدها الإعلامي الحر العامل في مؤسسة إعلامية حرة ، حيال طروحات و مواقف النأي بالنفس التي يتخذها مسؤولون و قياديون في حالات وطنية شديدة الدقة و تطلبا لصراحة الموقف ، و اي هامش حرية يمكن أن يعتمده في خلال وظيفته الإبلاغية و التحليلية ، و ما إذا كان بإمكانه التمايز عن سياسة مؤسسته ، بما يوفر له صياغة مصطلحية خاصة .
فأي منهجية إعلامية يتبع الإعلامي للبقاء في دائرة الموضوعية الواقعية ؟ و كيف له ان يعالج الأمور و يوازن بين المواقف المختلفة و الواقع الضاغط ، إن لم يكن ناقداً إعلامياً يزين الأمور بميزان المعرفة و يوازن بين المعلوم و المجهول و المسكوت عنه بعقلانية و موضوعية و مسؤولية ؟ ان عملية التمييز بين الحقائق او الأخبار المزيفة و الزائفة ، هي من اكثر الفنون الإعلامية تتطلباً للاحتراف المهني و الخبرة و الاطلاع ، و هي من ادق الأمور التي تعترض الإعلامي في عملية إنتاجه الإخباري و مسؤولية الارتقاء من رتبة الإبلاغية إلى مرتبة التفكيك المنهجي و التحليل الارتقابي الواجب أن يكون بعيدا عن التنبؤات القاتلة للموضوعية و الحقيقة. و كيف للإعلامي القيادي كرئيس تحرير و كاتب افتتاحيات رئيسية ، ان لا يوازن بين ايجابيات الفضيلة و سلبيات الرذيلة عند اعتماده سياسة النأي بالنفس في مواجهته للقضايا الخلافية الحادة و المفصلية . فالنأي هو هروب من الواقع و تقاعس عن الواجب ، و اشتراك بالجرم من حيث التغاضي عن مهمة كشف الحقائق و أظهار الفوارق ، تماما كهروب العسكري من ساحة القتال ، فيمسي خارج الخدمة و عادماً للثقة و خفيف المعرفة ، باهت الموقف ، مشبوه الدور . و تقاعس الإعلامي عن اتخاذ القرار الجريئ في الوقت الأنسب يجعل العملية الإعلامية اشبه بمحكمة بلا قضاة ، و ملعب بلا حكام ، و جيش بلا قيادة و مدرسة بلا معلمين ، حيث لا وازع و لا رادع و لا حسيب و لا رقيب ، و الفوضى تسود . و لعل المثل الأكثر انطباقا على وضعية الإعلامي في حالة النأي بالنفس ، التي تعتير سقطة مهنية و فكرية ، هو تخوفه من اتخاذ موقف غير محسوب النتائج ، تماماً كخبير المتفجرات الذي يُخطئ مرة واحدة فقط لا غير ، و هذا ما يدفع به إتباع وضعيات المسايرة و الإختفاء في النص و التهاون بمعايير القيم و اخلاقيات المهنة و متطلبات المرحلة .
فاذا كان النأي بالنفس السياسي له ما يبرره عند منْ يتخذه، فالأمر مغاير بالنسبة للنأي بالنفس الإعلامي ، حيث يضغط اللّّاتناسب على حقيقة المشهد ، و تنكشف مدى قدرة الإعلامي و نيته في تقدير الموقف و دراية الواقع . و على ضوء تقديره للموقف يبني الإعلامي قراره بالمواجهة او التصدي او بالإختباء و الهروب و النأي بقلمه عن تقصي الحقائق و جرأة كشفها . و مهما كانت التبريرات فإن النأي الإعلامي ليس من الإعلام بشيء و لا هو من سلوكات التعبير و ليس هو قاموس الحرية .

يلفت موقع "اللبنانية" انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر الّا عن وجهة نظر كاتبه او مصدره.

 

مقالات مشابهة

مواقف التيار تُفقد حزب الله الغطاء المسيحي والرهان على «لبننته» فشل

الحريري ومخاطر التجارة بالتطرّف

​زوار واشنطن: هوكشتاين «ينشّط» الخماسية ولا «يتجاوزها»

المربّع الأول

رسائل الحريري الى الداخل والخارج... وأبرزها الى المسيحيين!

ماذا سيتغيّر بعد 14 شباط؟

روسيا أصبحت المُصدّر الأول للنفط إلى الصين

قدر الموارنة