يومية سياسية مستقلة
بيروت / °17

سكان عين الرمانة: سنواجه كل رصاصة برصاصة

Friday, October 22, 2021 10:20:16 PM

تُعد منطقة عين الرّمانة إحدى ضواحي بيروت الأكثر حساسيّة. فهي من جهة ذات طابع مسيحيّ، ومن جهة أخرى تقع مقابل منطقة الشيّاح ذات الأغلبيّة الشيعيّة؛ الأمر الذي أعطى المنطقة بعداً طائفياً وجعلها مركزاً لاشتعال الاشتباكات منذ أيام الحرب الأهلية اللبنانيّة عام 1975، ولتتجدد فيها الاشتباكات الأخيرة يوم الخميس 14 تشرين الأول 2021. وقد أسفرت عن سقوط 7 ضحايا، وأكثر من 32 جريحاً، لاسيّما الأضرار الماديّة والنفسيّة التي لحقت بكلا الطرفين.

"العين بالعين.. والبادي أظلم"
بهذه العبارة استهل حديثه لـ"المدن" جورج. ق، وهو مواطن من سكاّن عين الرمانة منذ 40 عاماً، يملك محلاً تجارياً في سوق المنطقة لبيع الأحذية الرجالية. يعبّر جورج عن استياءه الشديد من الأحداث الأخيرة التي طالتهم، معتبراً أن الثنائي الشيعي وأنصار حركة أمل خصوصاً هم من يقومون بالاعتداء على أهالي المنطقة بين كل فترة وأخرى. لا نيّة لأهالي المنطقة بتركها والاتجاه نحو مناطق آمنة أكثر، فهذه المنطقة لنا ولن نتخلى عنها. فهي مسيحية، ولن نسمح بتغيير هذه الحقيقة. ومن واجبنا الدفاع عنها ضد أي اعتداء: "فالعين بالعين.. والسن بالسن، والبادي أظلم". وأضاف جورج بأنه شارك في اشتباكات الطيونة، فهو يملك محلاً، وعليه الدفاع عن رزقه وعن حُرمة بيته وبيوت جيرانه.

يروي جورج: بتنا نفتقد الأمان ونحن بين جدران منازلنا، فلا نعلم من أي نافذة ستصلنا الرصاصة؛ فأثناء تجهيز أغراضي للنزول إلى محلي، فوجئنا بكثافة الرصاص. إحدى جاراتي صرخت "عم يجتاحونا"! لم أتحمل وقع هذه الكلمة، شعرت بأننا أمام جبهة وعلينا الانضمام إليها للدفاع عن منطقتنا المسيحيّة. توجهنا أنا وعدد من شبّان المنطقة لحماية متاجرنا، خوفاً من تعرضها للسرقة؛ فالرصاص كان يطلق عشوائياً باتجاه الحيّ. واجهنا "كل رصاصة برصاصة". استمرت المعركة حوالى خمس ساعات. وقد نتج عنها أضرار مادية كبيرة علينا. أحد شبابنا أصيب إصابة بالغة في كتفه، وخضع لعملية جراحيّة دقيقة.

لم نعد نثق في الدولة لحمايتنا. وعليه، فإن معظم أهالي منطقة عين الرمانة سيقومون بحماية هذه المنطقة من أي إعتداء،أو أي مسّ في معتقداتنا الدينيّة. لست طائفيّاً ولكني أحاكي واقعاً تعيشه المنطقة منذ الحرب الأهلية. فلا أمل من بناء وطن قائم على العيش المشترك. فكلا الطرفين يملكان من الحقد ما يكفي.

عين الرمانة مطوّقة بالأسلاك الشائكة
إجراءات كثيفة قام بها الجيش اللبناني لحماية أو لفصل أهالي منطقتي الشياح وعين الرمانة منعاً للانجرار إلى حرب أهلية. فمنذ بداية الاشتباكات قام الجيش بالانتشار الكثيف على دوار الطيونة، ونشر جنوده وآلياته أمام كل المفارق. وقد أقفل البعض منها بالأسلاك الشائكة وبعارضات الحديد، لمنع الدخول إليها من ناحية منطقة الشياح. وعند مفارق أخرى تقع في مقابل مفارق منطقة الشياح، منع الدخول إليها وجعلها مخرجاً لأهالي عين الرمانة فقط.

وقد قام الجيش بإنشاء ثكنة عسكرية تضم عدداً من ملالات الجيش، وأقام العديد من الحواجز، ووزّع العناصر بشكل كثيف من أول الطيونة وصولاً إلى مفرق كنيسة مار مخايل، أي الخط الذي يعد تاريخياً "خط التماس". فهو من الجهة اليمنى يضم عين الرمانة فرن الشباك، ومن الجهة المقابلة يضمّ الشياح.

ووفق شهادات بعض سكان عين الرمانة لـ"المدن"، فالبعض منهم يشعر بالأمان بسبب تدخّل الجيش اللبناني ووضع يده على مداخل ومخارج منطقتهم. أما البعض الاخر فيعبّر عن تذمره من هذه الإجراءات التي يعتبرونها "شكلية". فهي تسبب لهم عائقاً في التنقل، وتسبب زحمة سير خانقة. إذ يجبرون على سلك طرق أخرى مفتوحة للتنقل إلى أماكن عملهم. ويشيرون إلى أن الوضع أكبر من توزّع عناصر في مفارق متعددة، فهم منذ الاشتباكات يفتقدون الأمان، ويخافون على أطفالهم من أي معركة جديدة.

رصاص وأطفال
ساعات طويلة من الرعب عاشها أطفال هذه المنطقة، ستبقى في ذاكرتهم. فرانيا الدنا، وهي في أوائل العقد الثالث وأم لطفلة لم تبلغ الخمس سنوات، من سكان عين الرمانة. وهي واحدة من المتضررات بسبب المعركة الأخيرة. تروي رانيا الأثر النفسي الذي تركه صوت الرصاص في طفلتها الصغيرة: "لم نستطع الخروج من البيت، وعلقنا داخل المطبخ. فالرصاص العشوائي والتقنيص كان يصل لغرفة طفلتي وكأننا مستهدفون"! وتقول: "عانقت طفلتي طيلة فترة الاشتباكات، وحاولت تهدئتها ولكنها لم تكف عن البكاء خوفاً. كنا ننتظر أن يتوقف صوت الرصاص ولو قليلاً، لنستطع الهروب من المنطقة والتوجه لبيت عائلة زوجي في الأشرفية".

تشير رانيا بأنها إبنة عين الرمانة، ولكنها جرّاء هذه الأحداث قررت وزوجها ترك منزلها، والتوجه للسكن في منطقة أخرى تضمن فيها راحة طفلتها. فالطفلة تعاني من أرق في النوم منذ الحادثة، ومن كوابيس تلاحقها خلال نومها؛ ما جعل عائلتها تطلب إستشارة طبيبة نفسية تهتم بالأطفال لتساعدهم على تجاوز هذه المشكلة. وتعبّر رانيا عن تقديرها للجهود المبذولة من عناصر الجيش اللبناني لتوفير الأمن وحماية أهالي المنطقة: "لسنا ممن يتمنى الحرب الأهلية، فكلنا أبناء لبنان الواحد. آن الأوان لأن نعيش لأطفالنا وليس لزعمائنا. عشنا ما يكفي من حروب ومعارك، ولسنا فدى أي زعيم أو أي رئيس".

إحصاء الخسائر
خسائر كبيرة في الممتلكات جراء الاشتباكات. وخلال الجولة الميدانية لـ"المدن"، لمسنا أن حجم المعاناة في نفوس السكان هنا أشدّ إيلاماً وقساوة من الأضرارالماديّة. منى الباشا (25 عاماً) تعمل في مجال الترجمة بعد نيل شهادتها من الجامعة اللبنانيّة، ولدت في عين الرمانة، ولكنها لا تتبع أي جهة سياسية في لبنان. فهي من الثائرات اللواتي شاركن في ثورة 17 تشرين الأول عام 2019: "تمنيّت أن نغيّر، نحن فئة الشباب، هذه المنظومة الفاسدة ونبني لبناناً يشبهنا، لكن ما حصل الأسبوع الماضي يؤكد أننا لن نتغير إذا ما استمرت هذه التبعية العمياء لأي زعيم سياسي ولأي نهج".

تروي: "شظايا القذائف الصاروخيّة أصابت سيارتي التي ما زلت حتى اليوم أسدد ثمنها، اليوم أقف ضائعة، كيف سأكمل تسديد ثمنها، ومن سيقوم بتعويضي عن الضرر الذي أصابها؟ لطالما تمنيت أن أتجنب السفر خارج لبنان، وأن أبقى فيه لأحقق أحلامي وأُنجز طموحاتي. اليوم فقدت أملي وأسعى للسفر خارج لبنان.. اليوم دُمّر أول أحلامي، وفقدت سيارتي! في البداية، تضرعت كثيراً لمار شربل لئلا يصيب عائلتي أي مكروه. وعند رؤية سيارتي وهي خالية من الزجاج من شدة الرصاص، بكيت". وتضيف: "لست وحدي المتضررة. أحد جيراني خسر واجهة محله الجديد كلها بسبب الرصاص، واجهته الزجاجية وديكورها كلّفته 2500$.. واليوم دولارنا يلامس 21 ألف ليرة. فماذا يفعل؟" أسئلة عديدة تراود سكان المنطقة: "كيف سنبني وطناً ونحن نعتدي على بعضنا البعض؟ هل سننسى الضرر النفسي الذي لحق بنا؟ من سيحاسب الفاعلين؟ وإلى متى ستبقى الشوارع الطوائف تنضح دماً؟

المدن

 

مقالات مشابهة

ريفي يسائل باسيل.. والسبب؟

بو صعب: لا خلاف مع باسيل ولن اكون مع فريق ضد "التيار"

قرداحي يستقيل غدا دعما لمبادرة ماكرون.. و"المردة" يبحث عن بديل

ما حقيقة لقاء مسؤول من "حزب الله" بوفد من صندوق النقد؟

مقدمات نشرات الاخبار المسائية ليوم الخميس 02/12/2021

جريح باطلاق نار في التبانة.. واشكال فردي ورشقات نارية في باب الرمل

نزولا عند طلب الفرنسيين.. هل يعلن قرداحي استقالته غدا؟

طرابلس تجتاحها السرقات والجرائم الفردية.. وحملات ضد المخدرات