يومية سياسية مستقلة
بيروت / °23

الحكومة: طائفيات على حافّة الهاوية

Tuesday, July 27, 2021 6:40:13 PM

طائفيات النظام اللبناني، تمتلك مخزونا ًوفيراً من اللامبالاة، لكنّها فَقدت الرصيد الأكبر من تَرَف بعثرة الوقت، فبات استمراء الهُزْء بمصير الناس، مرادفاً لتدحرج انتظام النظام، نحو قاع فَرْطِه على عديد عناصره التأسيسية. انفراط عَقْد الجمع اللبناني، ينذر به واقع عدم استواء هذا الجمع كياناً وطنياً جامعاً، له ما للوطنيات الراسخة، من سمات مشتركة، ومن قوانين نافذة، ومن رؤى متعددة، تجتمع، كحصيلة عامة، في بوتقة الرؤية الوطنية العليا، التي تتقدم فيها المصلحة المجتمعية الجمعية على ما عداها من المصالح، ويحتل الولاء الوطني المقعد الأول والأخير، نابذاً كل ولاء ما فوق وطني، أو ما دون دولتي، على ما هي أحوال لبنان لإستقلال ببنيانه، وبكيانه، وبنظامه.

سلوك الفرصة
أحياناً، تقترب كلمة الفرصة من معنى كلمة الصدفة، وأحيانا، تلامس معنى كلمة توظيف مُعْطى اللحظة، أو اقتناصه كصيد ثمين سانح. تدخل المفاجأة على كلمتي الصدفة والتوظيف، على معنى المبادرة السريعة، وهذه الأخيرة، تعيد كل معنى، إلى الواقع المادي الصلب، وإلى السياسات الطالعة منه، والممهورة بطابعه فتنفي عنه ما ورائيته، وتسقط مسحة روحانيته، وتعيد تعريف ساكنيه بما هم عليه، لا بما يضاف إلى انتظامهم الأهلي من صفات. فهم، والحال ما أشير إليه، طوائف لها مادياتها الملموسة، وليسوا عائلات روحية، ذوات روحانيات غير مرئية، وغير محسوسة.

استناداً إلى عوامل عديدة، كان لبنان سلوك فرصة ملموسة، عند إعلانه كبيراً، وبعد جَعْلِه مستقلاً، وهو مازال فرصة مُتعثّرة، تكرّرت كبواتها، فزادت شروخ تماسكها، حتى بات الكيان الفرصة، واقفاً أمام ما يشبه فرصته الأخيرة. هذا يعني فتح باب مخاطر الاحتمالات المؤلمة، التي قد تصيب سلامة "الكيانية"، وانتظام "النظامية"، وتعايش "الأهليات"، ومجمل ما جمعه لبنان "الجغرافيا السياسية" من مراكمة ملموسة، على طريق الجغرافيا الوطنية العمومية.

فرصة الكيان الناشئ
ختم "لبنان الصغير" الحرب العالمية الأولى، بانضمامه إلى حلف الفائزين. كانت فرصة أحسن التقاطها فريق من المسيحية السياسية، كان قد تطلّع إلى إطار نشوئي "ضامن"، أبعد من صخور الجبل اللبناني، قليلاً، وعلى تماسٍّ مع البحر، المتصل بالمدى العالمي، كثيراً وكثيراً.

هذه الفكرة، حملت عبئها "المارونية"، فدافعت عن وجاهتها في الداخل، وضمن بيئتها، وجّدَتْ في طلبها، مع الخارج، فكان مؤتمر فرساي محطة حاسمة في هذا السياق.

أنجبت الفرصة "لبنان الكبير". كان الحضور المسيحي لحظة الولادة وازناَ، واستمرّ بعدها، وكان الحضور الإسلامي "الكياني" خافتاً على منبر الموافقة على النشوء الجديد، في الوقت الذي كانت فيه منابر الرفض عالية، ومتعدّدة الأصوات والنبرات.

لقد أمكن لصوت "الكيانية" أن يشقّ مداه، داخل بيئته الخاصة، وأن يمدّ هذا المدى إلى البيئات الأخرى. قد يصح القول في هذا الصدد، إن مطلب الكيان كان استجابة آنية، لمصالح اللبنانيين الموضوعية، البعيدة الأمد. هذا إذا أراد القارئ أن يقرأ بنظارة تعدّد الخيارات العملية في الظرف السياسي الواحد، وأن غلبة خيار على آخر، تعني غلبة برنامج وشعارات وسياسات ومصالح.. قوى اجتماعية معيّنة.

إلى ما سبق، صارت فرصة النشأة، نقطة انطلاق أولى، لخلافات بنيوية كيانية، ستعيد تظهير صورها، في محطات سياسية لبنانية قريبة من زمن النشوء، وبعيدة من زمن حدوثه.

فرصة الاستقلال المفتوح
إعلان الاستقلال كان من ثمار الحرب العالمية الثانية. هكذا صار لبنان، الكيان والاستقلال، وليد حربين، كانت لكل منهما، مقدماتها والخلاصات والنتائج.

لبنان الاستقلال جاء مقبولاً، في سياق ولادة كيانات عربية أخرى. لقد أضعفت كيانية الدول الجديدة، قوة دَفْع النظرات الوحدوية، العربية والإسلامية، مثلما أضعفها انكسار عدّد من الثورات التي قاتلت القوى الاستعمارية، في المغرب العربي وفي مشرقه. لهذه العوامل، وغيرها، كان الاستقلال، يوم إعلانه، مقبولا، لكنه كان رجراجاً، وليس أدلّ على ذلك من حَبْس "فذلكة" الاستقلال خلف سور نَفيَين، "لا مَمَرّ ولا مُسْتَقَرّ"، وتقييدها بصيغة "المؤقت الطائفي، التماساً للعدل". لقد أتَتِ الأيام بما أثْبَتَ أن الصيغة المؤقتة، كانت مُخَاتَلَة مقصودة، وأن النفيين، كانا التفافاً مدروساً، مما وضع هدف قبول الاستقلال، في متناول التجسّد والإمكان.

لقد توزّع القبول الاستقلالي، وبمقادير واقعية، على المسيحية السياسية، بقيادة مارونيتها، وعلى الإسلام السياسي، وفي طليعته سنّيته. اجتمع في المعادلة وزن المركزين، الفريق الجبلي، الوافد من إرث جبل المتصرفية، والفريق المُدُنِي، المقيم في المدن، خاصة في طرابلس، وفي العاصمة بيروت. لن تتأخر هذه المعادلة عن طرح مشكلة، المركز-الأطراف، ولن يتأخر النظام الطائفي الذي أُرِيْدَ له أن يكون وطنياً، عن تحويل معظم المناطق اللبنانية أطرافا مهملة، وملاحق جغرافية مستثناة من الاستفادة من موارد "الدولة"، وفق خطط تنموية واضحة، ووفق مُهَل زمنية محددة بدقة. وقد كان من شأن هذه القِسْمة النظامية الجائرة، أن تستثير ردود فعل معارضة، وأن توسّع قاعدة الاعتراض الشعبية، وأن تستدرج سلوكات غاضبة شعبية، انفجرت في معارك متقطعة، وفي حرب أهلية طويلة، ما زالت نتائجها التدميرية تتناسل في ميدان الأيام الراهنة.

سلوك الانحدار
ذكر بعض المحطات اللبنانية، كفرص في الزمن، ليست تأريخا يفترض أصول معالجة مختلفة، جلّ ما في الأمر، قَصْدُ ربط الانحدار اللبناني الراهن، بأصل نشوئي سابق، وباعتلال "خَلْقِي" أصاب المولود الكياني، فاقمه النظام الطائفي الذي لم تمرّ به ريح التعديل، ولا اقتلعته عاصفة تبديل، وبدا صامداً في وجه محاولات إصلاحه، وراسخاً في مركز امتناعه على كل تطوير.

لقد أفسد النظام باكراً السكينة اللبنانية، فكانت العاصفة في وجه الرئيس بشارة الخوري، وكانت الحرب الأهلية مع الرئيس كميل شمعون. مرحلة الشهابية، كانت وقتاً مستقطعاً بين استقرار لم يسمح نظام الطائفية بإرساء أسسه، واهتزاز احتل جغرافيا البلد، مع كل تداعياته الأهلية العنيفة.

في مقام المسؤوليات عن سير القهقرى، دولتياً ووطنياً، تتحمل المارونية السياسية المسؤولية الأولى، عن قيادة الانسداد الداخلي الذي صنعته في وجه الحركة المطلبية الشعبية، محليّاً، وعن العجز عن ابتكار الصِيَغِ المناسبة للتعامل مع الجديد الخارجي، عربياً. ما لجأ إليه النظام الطائفي، ومن خلال جناح من المارونية السياسية، كان سلوك توظيف خاطئ، لمعطيات الخارج، في ميدان الداخل، أي كان في الأمر سياسة تأسيس للغلبة، وتأسيس لكسر طائفي لا تحتمله البنية اللبنانية. على هذه الخلفية جرت محاولة استثمار هزيمة العرب عام 1967، وفي السياق ذاته كان استخدام فزّاعة الناصرية، وعلى ذات المنوال، نسج حرّاس "اللبنانية" في مواجهة المسألة الفلسطينية، وفي امتداد ذلك، وبما لا يخرج عن معنى الخطيئة، استُدْعِيَ الخارج إلى الداخل. في البداية كان الخارج سوريّاً، ثم صار اسرائيلياً، وانتقل رهان الاستقواء ليصير إيرانياً.

لقد قاد أصحاب خيار الاستدعاء-الاستقواء، وهْمُ تشغيل الآخرين لديهم، بحيث يَسْهُلُ الاستغناء عن خدماتهم، بعد إنجازهم لهذه الخدمات، أي بعد تثقيل ميزان الغلبة الذي تطمح إليه أطراف من المارونية السياسية.

حساب البيدر
اليوم، وفي موسم القحط الطائفي على كل صعيد، ماذا جمعت "مارونية" النظام الطائفي من بيدر سياساتها؟

لا تنفع مكابرة كل قول ينفي حقيقة الخسران المبين لكل هذه السياسات، وعلى وجه التحديد، منذ الحرب الأهلية عام 1975، وحتى تاريخ اعتذار سعد الحريري، عن عدم تشكيل الحكومة.

لقد أرادت المارونية السياسية الاحتفاظ بكل ما أعطاها التأسيس الكياني، وأدارت ظهرها لكل التطورات الواقعية، فكان لها حصاد الخيبة بعد الخيبة.

مقارنة سريعة، بين الأمس واليوم، كفيلة بواقعية ما جرى ذكره. وطرح أسئلة عديدة، حول مواقع المارونية، من رئاسة الجمهورية إلى غيرها، كفيل بتلقي أجوبة تؤكد أن الضعف المتدرج، هو السمة الملازمة لمركزية المارونية السياسية في المعادلة اللبنانية.

على الحافّة
لا تظهر مارونية النظام الطائفي الرسمية، إدراكا لموقعها الذي صار على الحافّة. هي في هذه النقطة الخطرة، عندما ترفع من شأن فئويتها فوق شأن كيانيتها، وهي هناك، عندما تُدْنِي سلوك مركزيتها من السلوكات الطرفية. وهي خارج "منطقها" التاريخي الذي كان له لبنان الذي أراده، ثم تابع أهل المنطق سؤال الآخرين "أين لبنان نريد".

اليوم، وفي سياق محاولة تشكيل حكومة جديدة، يجب سؤال فريق المارونية الحاكم: أما زلت تريد لبنان الذي كنت تريد؟

وللسؤال أسباب، من أهمّها، القول لصاحب الشأن، إن لبنان الحالي ليس لبنان الذي تريد، ولا لبنان الذي نريد، بل هو لبنان الذي يريدونه، وقد تحقّق لمن يريدونه الكثير ممّا أرادوا.

ومن الختام، لا تغيب مسؤوليات أركان النظام الذي شهد الكثير من تبدّل توازناته، كذلك لا تغيب عن المهتمّين بالمصير الفردي وبالمصير العام، أن التشكيلة الطائفية المتمهلة وهي تناقش الحصص داخل حكومتها، هذه التشكيلة، تحثّ الخطى صوب هاوية سقوطها.

المدن

 

مقالات مشابهة

لا حسابات للوزير سلام على مواقع التواصل الاجتماعي

"مياه بيروت وجبل لبنان" تدق ناقوس الخطر

الصايغ: شعوب اوروبا تعلن التزامها بلبنان الديمقراطي

المطران رحمة: الحياد هو ما ينفع وبكركي "أم الصبي"

"الجديد" تقاطع بعبدا و"سنرفع دعوى"

بالصور- رئيس الأركان يتفقد الفوج المجوقل

أهالي ضحايا المرفأ : التحركات على القطعة والمحك الأول عند وزير الداخلية... هل يصدر القرار بإحضار فنيانوس؟

آخر مستجدات المجلس الدستوري وقانون الشراء العام...