يومية سياسية مستقلة
بيروت / °22

حزب الله.. إمّا العَسكر وإمّا السياسة

Tuesday, September 29, 2020



إعتذرَ للبنانيين عن عدم نيّته الاستمرار في التكليف، حازماً أمتعته عائدًا الى برلين سعادة السفير بعدما حطّ في بيروت دولة الرئيس. بدوره إعتذر من اللبنانيين عن فشل نَسبه لغيره، مصراً على بثّ الروح في مبادرة لفظت انفاسها قبل ان تولد، مديرًا ظهره للسياسة اللبنانية، آملا في ان يكون حظّه افضل على صعيد تأمين دعم من مجموعة اصدقاء لبنان للتخفيف من الازمة المعيشية. انه الرئيس ماكرون الذي "صدّق نفسه" ان بإمكانه تحقيق المعجزات في لبنان، فإذا بالسحر ينقلب على الساحر، الذي "شدّ وقدّ بلا طعمة"، لدرجة ان احدًا من الطبقة السياسية لم يأخذ تهديداته على محمل الجدّ.

ففي الوقت الذي كانت تشهد فيه الساحة الشمالية عملية أمنية كبيرة ضد مجموعة ارهابية، تطرح الكثير من علامات الاستفهام حول تركيبتها، آلية عملها، ارتباطاتها، واهدافها ، في لحظة سياسية حرجة، كان الرئيس ماكرون يلملم بقايا مبادرته الضائعة في متاهة زواريب محاصصة السياسة اللبنانية على حساب كرامة الشعب العظيم والعنيد، ليظهر قصر نظر الاليزيه و"ولدنتها" السياسية، يوم قرر ماكرون التجديد من البوابة اللبنانية متجاهلاً حقائق تاريخية، ليخرج "لا من دي ولا من دا" مخرجاً معه د فعة اولى من "كلن يعني كلن" غصباً عن ارادته.

ولكن ماذا في الترجمة المبسّطة لما قاله الرئيس الفرنسي في إطلالته الباريسية؟

1- تأكيده ان المبادرة ما حظيت يوماً بتأييد اميركي كامل او دعم واشنطن، التي ترى ان باريس تسعى لايجاد اجابات في بيروت حول دور حزب الله، وهو ما بات محسوماً لدى الاميركيين. من هنا محاولة ماكرون رمي فشله على كل من واشنطن، طهرن، الرياض، وانقرة التي حتى الساعة، احدا لم يفهم من هي الجهة السياسية التي نسّقت مع تركيا لافشال الجهود الفرنسية. فهل "هوس" الرئيس الفرنسي بنظيره التركي بلغ به هذا الحدّ؟

2- اقترابه من المقاربة الاميركية في مسألة التعامل مع الجناحَين العسكري والسياسي للحزب وهو ما برز في نقطتين: الاولى حديثه عن ترهيب السلاح للبنانيين لفرضه خياراته بالقوة، والثاني دعوته حارة حريك الى الاختيار بين جيش يحارب اسرائيل، او ميليشا تقاتل في سوريا، او حزب يمارس السياسة في لبنان. فهل يعني ذلك ان هناك تعديلاً في موقفه من الحزب واعتماده معادلة جديدة ترجمتها إمّا السلاح وإمّا السياسة؟ اللافت على هذا الصعيد دمجه بين الحزب والحركة اللذي يتوجب عليهما اعادة الشيعة الى لبنان.

3-واضح انه حمّل المسيحيين اكثر مما يحملون عندما ساوى بين كل الاطراف السياسية الحاضرة لاجتماع قصر الصنوبر، فالقوات اللبنانية والكتائب والتيار الوطني الحر لم يلعبوا اي دور معطل، بالعكس ذهب البرتقاليون الى حدّ عدم التدخل ي عملية التأليف، كذلك محاولته التصويب باتجاه بعبدا، التي لم تعرقل، إلّا اذا اعتبر مصارحة الرئيس عون للبنانيين بمثابة عرقلة، رغم غمزه من قناة الاخير بسرعة الدعوة لاستشارات جديدة، لن تكون هذه المرة دون اتفاق على التشكيل "ولو شك برأسه ريش".

4-إقراره بأن الاتفاق الذي جرى في قصر الصنوبر بين الفرقاء المعنيين، وان لم يأت على ذكر المداورة في الحقائب او ان تكون المالية للشيعة، إلّا انه كان واضحاً لجهة عدم تسمية الاحزاب او الطوائف لوزراء لان ذلك سيفشل حكومة "المَهمة".

5- الأهمّ في ما قاله الرئيس الفرنسي يبقى في تعبيره عن القناعة الدولية بأن الحلّ الجذري للمسألة اللبنانية يبقى في عقدٍ اجتماعي جديد وهيكلية سياسية جديدة، حيث تبدو منطقية جداً المعلومات عن تواصل فرنسي - سويسري في هذا المجال، على اعتبار ان النموذج السويسري قد يكون صالحاً للتطبيق في لبنان.

6- اقراره متأخراً بما سبق لوزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو ان تحدّث عنه منذ اشهر عن قرار دولي بتأمين الدواء والطعام للبنانيين الى حين بلوغ الحلول. تحت هذا العنوان تندرج دعوة ماكرون التي يعتزم توجيها لمجموعة الدعم الخاصة للبنان، والتي تغير الهدف الذي كان سبق واعلنه في ايلول.

7- اثباته مرة جديدة انه "تشرّب" العقلية اللبنانية، عندما وضع مهلة اربعة الى ستة اسابيع، اي مهلة انقضاء الانتخابات الاميركية، في دلالة الى ربطه لنتائجها بتطور الاوضاع في لبنان، وفي ذلك "جهل" تام لحقيقة الواقع بعدما بات واضحاً ان ساكن البيت الابيض أياً يكن لن يغيّر في الخطة الاميركية تجاه لبنان، وهو ما يلمسه المتصلون والمراجعون لكلا المرشحان الجمهوري والديمقراطي.

8-اشادته اللافتة بالجيش اللبناني، هو نفسه الذي كان اسقط من مؤتمره الصحافي في قصر الصنوبر عشية مغادرته بيروت اي اشارة الى دور المؤسسة العسكرية، بعدما كان شكر جميع الجهات المتعاونة في مسألة المساعدات.

في كل الاحوال ولدى مراجعة دوائر الاليزيه لسؤالها عما اذا كان هناك تغيير في فريق عمل الرئيس الفرنسي المكلف الملف اللبناني، يسارع المعنيون الى نفي ذلك، معتبرين ان اعضاء الفريق قاموا بواجبهم على اكمل وجه وبالتالي لا يتحمّل اي منهم نتيجة الفشل الذي وصلت اليه الامور، وحول الاتصال المزعوم بين باريس والرياض تجزم المصادر بأن ذلك حصل قبل اعتذار الرئيس اديب، وان اي تواصل مع المملكة لم يحصل بعد ذلك، مضيفة ان ثمة عتب فرنسي تجاه المواقف التصعيدية للعاهل السعودي والتي عقدت اتمام المبادرة الفرنسية، منهية بأن الاليزيه لن يتدخل في مسألة تشكيل الحكومة بل ستتركز اتصالات الرئيس ماكرون في الفترة المقبلة حول تأمين حضور فاعل في مؤتمر اصدقاء لبنان وضمان المبالغ اللازمة لدعم اللبنانيين، رغم استدراكها ان الامور لن تكون سهلة.

في المحصلة، خاسران مخدوعان، ماكرون عن جهل وغباء سياسي، والشعب اللبناني عن سابق اصرار وتصميم من الاول، الذي اوهم اللبنانيين بالوقوف الى جانبهم مغدقاً الوعود بالويل والثبور وعظائم الامور لطبقة سياسية اعاد بمبادرته بث الروح فيها، اما الباقون جميعا فرابحون الى اجل لن تطيل هوية ساكن البيت الابيض الجديد من نشوة انتصارهم كثيرا، وبين الاثنين مبادرة رقم 2 بوجه اقتصادي عنوانه "شحادة فرنساوية عا ضهر لبنان".

يبقى بين "بيجو الاسد" و"بيجو ماكرون" فرق كبير، هو نفسه بين عاصمة "البرازق" و"عاصمة الكرواسان"، فإذا كانت الاولى تنجح دائماً في فرض قراراتها و"تعليباتها"، فإن الثانية ودون ادنى شك اثبتت انها اعجز عن اجبار الفرقاء السياسيين اللبنانيين على تشكيل حكومة، هي التي رئيسها نفسه اعاد" تعويم "طبقة تألبت عليه، فجعلته "لا حول ولا قوة له " في لبنان كما في فرنسا، حيث اتت نتائج انتخابات مجلس الشيوخ لغير مصلحته.
 
ميشال نصر - ليبانون ديبايت

 

مقالات مشابهة

تغريدةٌ "محيّرة" لـ جنبلاط.. فمن قصد؟

تعديل على جدول القرى والبلدات التي تمّ إقفالها

رسالةٌ من عون الى اللبنانيين غداً

ديما جمالي تثابر على التوفيق بين مسؤولياتها الوطنية وعملها الاكاديمي بجامعة الشارقة

لبنان قارب مرحلة الخطر ...آخر مستجدات كورونا

خبايا زيارة اللواء ابراهيم لواشنطن والمطالب التي حملها من دمشق

الصايغ : العمل معاً على تعديل بعض مواد "قانون محاكمة الرؤساء والوزراء"

كفى ميشال عون.. لبنان لم يعُد يحتمِل عهدَك!