يومية سياسية مستقلة
بيروت / °22

زواريب الدواجن... فوضى ومحميّات وغياب عدالة التسعير

Saturday, September 26, 2020

بقلم جورج العاقوري في "نداء الوطن":

 

تُرخي الازمة المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بلبنان بظلالها ليس فقط على نمط عيش المواطنين، بل حتى على تصرفاتهم اليومية وطريقة تسوّقهم. فاللبناني أصبح ملزماً بالمفاضلة بين الأسعار حتى في أصغر الاشياء، ويضطر الى القيام بجولة على عدة "سوبرماركت" كي يختار الأرخص في كل منها.

 

 

"الى الدجاج درّ"، هكذا كانت حال اللبناني مع صعود الاسعار الجنونية للّحوم، حيث "جَمْعَة" عطلة نهاية الاسبوع لا تكتمل من دون "مشاوي للشباب" - هذا اذا ما استثنينا الشرائح من ذوي الفقر المدقع التي ربما الخبز يتوافر لها بصعوبة - إذ ان كلفة الدجاج نسبياً أرخص من اللحوم وفق الكمية المطلوبة.

 

إستبشر اللبناني خيراً بدعم وزارة الاقتصاد سعر الفروج لكن يبدو أن الإلتباس أو التخبط أو الغيبوبة تشكّل القاسم المشترك في خطوات الوزارات المعنية بحياة اللبنانيين.

 

ففي نهاية الاسبوع الماضي، ظهّر شبه انقطاع لـ "السفاين" المدعومة وسوق سوداء أي "غطت السفاين وطارت السفاين". فما السبب وراء ذلك؟ هل من خلل في آليات الدعم؟ هل اقحمت وزارة "الاقتصاد" نفسها في زواريب الدجاج المقطع؟

 

 

خطة دعم الاقتصاد غير كاملة

 

"وزير الاقتصاد راوول نعمة ظلمنا جداً ولا فكر انمائياً للقطاعات الانتاجية لديه"، هذه العبارة تلخّص موقف رئيس نقابة مربي الدواجن في لبنان المهندس موسى فريجي، الذي يؤكد ان خطة الدعم ضرورية ومن الطبيعي ان تراقب الدولة الاسعار لأنها الداعمة، ولكن المشكلة ان لا عدالة في التسعيرة التي فرضتها.

 

ويعتبر مدير مصنع شركة "هوا تشيكن" رالف الهوا أن "خطة الدعم القائمة ساعدت القطاع ولكنها غير كاملة إذ شملت جزءاً محدوداً من مواد الاعلاف، فيما اعتبرت الوزارة ان بهذه الخطوة يصبح كل شيء مدعوماً وهذا غير منطقي، إذ هناك على سبيل المثال البهارات التي نستقدمها من الخارج نسدد ثمنها بالدولار".

 

تجدر الاشارة الى ان الوزارة دعمت مادتي الذرة والصويا واللتين تشكلان ما بين 70 الى 80% من كلفة الاعلاف التي تشمل ايضاً المضيفات العلفية والمعادن والأحماض والفيتامينات والتي سعر بعضها مرتبط بالدولار. كما انها دعمت لفترة زيت الصويا الذي يستعمل ايضاً في الاعلاف من خلال تسليم كميات لمعمل سلعاتا، لكنّ مربي الدواجن إضطروا الى شرائه بالدولار بعدما نفدت الكمية المدعومة التي سُلّمت للمعمل.

 

 

 

 

 

 

 

دعم "القرقة" تقريقة!

 

أعلنت وزارة الاقتصاد عن دعم امهات الصيصان اي "القرقة"، ولكن أحد كبار مربي الدواجن علّق على الامر قائلاً: "دعم "القرقة" تقريقة؟ في الاساس تكلفة كل قرقة 10$، إذ نستوردها كصوص من فرنسا بنحو 5 دولارات وتحتاج علفاً وادوية ولقاحات بنحو 5 دولارات، كي تبدأ بعد 6 أشهر بانتاج البيض. كلفة كل بيضة 25 سنتاً. فلا يمكن ان يقولوا لنا دعمنا لكم "القرقة" ثم يجبروننا على بيع البيض المنتج اليوم بسعر مدعوم. عليهم انتظار 6 أشهر لا اجبارنا على بيع البيض الموجود لدينا، فتكلفته سبقت الدعم. لينتظروا انتاج "القرقة" المدعومة".

 

يتابع هذا المربي: "كلفة تربية الفروج صيفاً 1.10 دولار/كيلو وفي الشتاء 1.25 دولار/كيلو بسبب تكاليف التدفئة. فليؤمنوا لنا دولاراً مدعوماً على 4000 ليرة. حينها نستطيع بيع كيلو الفروج من المزرعة بـ 6500 ل.ل. أو 7000 ل.ل. ونحقق ارباحاً".

 

لكن مصادر وزارة الاقتصاد تشدد على أن هناك مفهوماً اقتصادياً هو replacement cost أي عليهم البيع وفق السعر المحدد اليوم، ويوماً ما حين يرفع الدعم سيعوضون عن خسائرهم.

 

أما بالنسبة لدعم البيض، فيقول الهوا: "بالنسبة الى كرتونة البيض، نحن ملتزمون بتسعيرة 12 ألف ل.ل. فيما هناك من يبيعها بـ16 ألفاً، لذا تنتظر الناس في طوابير لشراء البيض المدعوم من عندنا. قدرتنا الانتاجية واضحة وهي تباع سريعاً. رغم كل ما ذكرت نحن نتعاون مع وزارة الاقتصاد ونلتزم بقراراتها، ولكن قد نلجأ في اي يوم من الايام الى اقفال محالنا فذلك افضل من البيع بخسارة".

 

 

غطّت "السفاين"... طارت "السفاين"

 

يشهد السوق اللبناني عدم توفر "سفاين" الدجاج وفق السعر المدعوم إلا "بالقطارة" او على المواطن ابتياعها وفق سعر السوق السوداء. وفي هذا الاطار، يوضح الهوا: "قرار الاقتصاد غير مدروس، فقد سعّروا "الصدر" مع جلدة او من دون جلدة او مع عضم بـ19 ألف ل.ل.، وهذا غير منطقي. الوزارة تسببت بضغط في السوق عبر وضعها سعراً غير منطقي للدجاج، فسارع الناس الى تخزينه. انني انتج "السفاين" كالمعتاد ولكن تفقد من محلاتي عند الساعة 11 او 12 صباحاً. فالطلب تضاعف اربع مرات جراء امتناع بعض التجار عن تأمينه في محالهم أو تأمين كميات قليلة، أو عدم الالتزام بالسعر المدعوم وبيعه بلا فواتير".

 

مصادر في وزارة الاقتصاد تشير الى ان المشكلة ليست عند كبار مربي الدواجن الذين يلتزمون بالاسعار، بل عند المزارعين الذي يؤمنون نصف حاجات السوق ويرفضون البيع وفق اسعار الوزارة، وتضيف: "لذا لا يستطيع كبار المربين تأمين حاجات السوق اللبناني. لكننا على ثقة ان المزارعين أي صغار المربين لا يستطيعون الاستمرار بعدم التسليم لأن انتاجهم سيضرب. لذا في وقت قريب سيعود السوق الى طبيعته وينتهي النقص".

 

ورداً على من يعتبر انه كان الاجدى دعم الفروج الكامل وعدم الغرق في مسألة المقطعات، تجيب المصادر: "نحن مع دعم مقطعات الدجاج وليس فقط الدجاج الكامل ومع تحديد اسعاره، لأن المواطن لا يشتري دائماً دجاجة كاملة". لو عاد الامر إلى هذه المصادر، فهي تؤكد انها حتى مع تحديد اسعار المقطعات المتبّلة أو المصنّعة".

 

وفي تحليل مختلف لنقص "السفاين"، لا يستبعد مهندس زراعي خبير في تربية الدواجن ان تكون الازمة مرتبطة بالسعي الى الربح، ويوضح: "وزارة الاقتصاد لم تتطرق الى اسعار الدجاج المتبّل او المصنع. فكل كيلو دجاج يحتوي نحو 40 الى 45% من "السفاين". لذا من الاربح تحويل "السفاين" الى طاووق أو crispy أو nuggets. فكيلو الطاووق مثلاً يتألف من 800 غرام من "السفايين" و200 غرام تتبيلة. وبالطبع الامر أربح".

 

 

 

محميات أمنية حتى في الدواجن؟!

 

ومن باب "السفاين"، يكشف النقيب فريجي عن وجود محميات في الدواجن عاصية على الدولة، ويقول: "هناك من يقطّع ويبيع السِفينة بـ 25 ألفاً او اكثر والدولة غير قادرة عليه. فهي لا تفرض القانون الا على من يعلّبون البضائع ويضعون اسم منتجهم وتاريخ انتاجه وصلاحيته بشكل واضح. فاصبح من هو نظامي مستهدفاً، فيما لا تجرؤ على ملاحقة من لا يلتزم بالقانون الذي يرفض التعليب وذكر الاسم والتواريخ".

 

يضيف فريجي: "وزير الاقتصاد ظلمنا جداً وتسبّب بغش في الاسواق بمعنى ان هناك كثراً يقطّعون الفروج ولا يلتزمون بالاسعار المحددة والوزارة لا تطالهم. فهناك اماكن في لبنان لا تدخل اليها الدولة ان دخل مفتشو الإقتصاد يتعرضون للضرب".

 

يصف أحد كبار مربي الدواجن القسائم التي تمّ الاتفاق ان تسلمها وزارة الزراعة للحصول على الاعلاف المدعومة بـ"المسخرة"، ويقول: "يجري التحايل على هذه القسائم. انا من بين الاشخاص الذين عُرض عليهم شراء قسائم من قبل اشخاص استحصلوا عليها. على سبيل المثال، هناك التاجران ش.م. وغ.م. حصلا على 5 أطنان من الصويا المدعوم ولم يسلماها للمزارعين. كذلك أ. ح. الذي يتسلّم من م.م العلف المدعوم ويعمد الى تكديسه بانتظار ان يتأخر وصول باخرة علف مدعوم كي يبيعه بالسعر الحر. كما أن بعض التجار يشترط عليك تسليمك الطن المدعوم بتوقيعك على ايصال باستلام 3 أطنان مثلاً".

 

إلا ان النقيب فريجي يؤكد أن القسائم تصدر عن وزارة الزراعة وفق آلية واضحة ومضبوطة، ويوضح: "يستحصل مربّي الدواجن من مختار المحلة على افادة بأن لديه مزرعة. ثم يتأكد من ذلك مكتب وزارة الزراعة في المنطقة ويحدد وفق حجم المزرعة قدرتها الاستيعابية لتربية الدواجن في الفوج الواحد. كما يحدد استهلاكها من الذرة والصويا ويمنحها رقماً للحصول على قسائمها. استبعد ان يكون هناك من يتلاعب بالامر، فعلى التاجر عند كل شحنة ان يظهر القسائم التي وزع على اساسها الاعلاف المدعومة. في كل الاحوال بامكان المربي ان يتصل بوزارة الزراعة ويشتكي". غير ان مربي الدواجن الذي يؤكد الفوضى يشير الى انه "في حال تقدم بشكوى، فسيحرم من الحصول على حد ادنى من الدعم وسيتحطّطون عليه".

 

في الخلاصة، وزارة الاقتصاد تراهن على الوقت وتراجع صغار مربي الدواجن عن تأمين البضائع الى الاسواق للحد من الشح وخصوصاً في "السفاين"، بينما المربون يؤكدون انه في اي لحظة قد يعمد بعضهم الى التوقف عن العمل. والنتيجة، المواطن يدفع الثمن ويستجدي دعماً مهدداً في الاساس بالتوقف لأن السيولة تكاد تنضب في مصرف لبنان.

 

 

مقالات مشابهة

إنخفاضٌ في أسعار المحروقات.. ماذا عن سعر صرف الدولار

انفجار المرفأ.. هذا حجم الخسائر

بعد "كورونا".. كيف أصبحنا ندخر أموالنا؟

جمعيّة المصارف تطمئن المودعين

حان وقت شطب ثلاثة أصفار من عملتنا الوطنيّة

الدولار بلا سقف.. التحدّيات تزداد صعوبة

تراجع اضافي لسعر صرف الدولار في السوق السوداء...و "تحويل ودائع الى الخارج"

الاطلاع على الصحيفة العقارية اختياريًا عبر OMT